ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

151

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

هذه الوجوه الأربعة . فصار الخطاب مع بيانه مفيدا لليقين بالمراد منه ، وإن لم يكن بيانه متصلا به . الخامس والخمسون : إن هذا القول الذي قاله أصحاب هذا القانون لم يعرف عن طائفة من طوائف بني آدم ، ولا طوائف المسلمين ، ولا طوائف اليهود والنصارى ، ولا عن أحد من أهل الملل قبل هؤلاء ، وذلك لظهور العلم بفساده . فإنه يقدح فيما هو أظهر العلوم الضرورية لجميع الخلق . فإن بني آدم يتكلمون ويخاطب بعضهم بعضا مخاطبة ومكاتبة ، وقد أنطق اللّه تعالى بعض الجمادات وبعض الحيوانات بمثل ما أنطق بني آدم ، فلم يسترب سامع النطق في حصول العلم واليقين به ، بل كان ذلك عنده من أعظم العلوم الضرورية ، فقالت النملة لأمة النمل يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( النمل : 18 ) فلم يشك النمل ولا سليمان في مرادها وفهموها يقينا . ولما علم سليمان مرادها يقينا تبسم ضاحكا من قولها . وخاطبه الهدهد ، فحصل للهدهد العلم واليقين بمراد سليمان من كلامه . وأرسل سليمان الهدية والكتاب - وفعل ما حكى اللّه لما حصل له اليقين بمراد الهدهد من كلامه . وأنطق سبحانه الجبال مع داود بالتسبيح ، وعلّم سليمان منطق الطير ، وأسمع الصحابة تسبيح الطعام مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ، وأسمع رسوله تسليم الحجر عليه « 2 » . أفيقول مؤمن أو عاقل إن اليقين لم يحصل للسامع بشيء من مدلول هذا الكلام . السادس والخمسون : أن أرباب هذا القانون الذين منعوا استفادة اليقين من كلام اللّه ورسوله مضطرين في العقل الّذي يعارض النقل أشد الاضطراب . فالفلاسفة مع شدة اعتنائهم بالمعقولات أشد الناس اضطرابا في هذا الباب من طوائف أهل

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 3579 ) من حديث عبد اللّه بن مسعود وفيه : « ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل » . ( 2 ) أخرجه مسلم في ( الفضائل / 2277 ) من حديث جابر بن سمرة بلفظ : « أنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن » .